الإصلاح بين الوعي الجمهوري والمعركة الوطنية
بقلم/ عبدالمالك الشميري
نشر منذ: 4 أسابيع و ساعتين
الإثنين 14 سبتمبر-أيلول 2026 06:47 م

فاتورة الموقف الوطني..    الإصلاح بين الوعي الجمهوري والمعركة الوطنية

 

ثمة أحزاب تكبر بعدد السنوات التي تعيشها، وهناك أحزاب تُقاس تجربتها بما واجهته خلال تلك السنوات، والتجمع اليمني للإصلاح ينتمي، في تقديري إلى النوع الثاني، فستة وثلاثون عامًا من عمر الحزب ليست مجرد مناسبة للاحتفال أو استعادة الذاكرة، وإنما فرصة للنظر في سلسلة طويلة من المواقف،

أين وقف الإصلاح عندما كانت الخيارات صعبة؟ وماذا كسب وماذا خسر عندما اختار موقفًا وطنيًا لا يضمن له بالضرورة مكسبًا سياسيًا؟

   

ولد الإصلاح في سبتمبر ١٩٩٠، بعد أشهر قليلة من قيام الوحدة اليمنية، في بداية مرحلة سياسية جديدة انتقل فيها اليمن من تجربة الحزب الواحد إلى التعددية، كان ذلك بحد ذاته تحولًا كبيرًا في الحياة السياسية اليمنية، وجاء الإصلاح كحزب جديد إلى جانب أحزاب وقوى أخرى، حاملًا معه تركيبة اجتماعية وسياسية واسعة، لم يكن تأسيسه مجرد إضافة عددية إلى قائمة الأحزاب، بل كان جزءًا من المشهد الذي حاول اليمنيون من خلاله أن يؤسسوا حياة سياسية مختلفة، تتسع للتعدد والاختلاف والمنافسة.

   

وفي سنوات الإصلاح الأولى، خاض تجربة السلطة وشارك في الحكومة، قبل أن يجد نفسه بعد ذلك في موقع المعارضة، وهذه محطة لا ينبغي المرور عليها سريعًا، كون تجربة الحزب لم تكن منذ البداية تجربة معارضة، كما أنها لم تبق تجربة سلطة، فقد انتقل بين الموقعين، وعرف ما تعنيه الشراكة السياسية وما تعنيه معارضة السلطة من داخل المؤسسات، وبعد انتخابات ١٩٩٧، ظهر موقعه المعارض بصورة أوضح، وظل البرلمان أحد أهم ساحات حضوره السياسي.

   

لقد جاءت حرب ١٩٩٤، لتضع الأحزاب أمام اختبار مختلف تماماً، لم يكن يشبه الخلافات الانتخابية المعتادة، كان السؤال يومها، هل تبقى اليمن دولة واحدة أم تنقسم؟ اختار الإصلاح الوقوف مع الوحدة، ودفع ثمنًا سياسيًا لذلك في مناطق وقوى كانت ترى في هذا الموقف انحيازًا ضد مشروع الانفصال، وتعرضت قيادات وقواعد إصلاحية لحملات تخوين واستهداف من مؤيدي الانفصال، ومن المهم حتى لا تختلط الوقائع بالمواقف، أن نفرق بين الدفاع عن وحدة اليمن وبين منح صك براءة لكل ما فعلته السلطة خلال الحرب وبعدها، فالإصلاح كان يستطيع أن يختلف مع نظام صالح في أشياء كثيرة، لكنه لم يرَ في الانفصال طريقًا لحل أزمة البلاد.

   

لقد اتسعت تجربة الحزب أكثر، بعد انتقاله إلى المعارضة، وفي عام ٢٠٠٣، كان تأسيس اللقاء المشترك محطة لافتة في الحياة السياسية اليمنية، إذ اجتمعت قوى لا يجمعها تطابق فكري أو أيديولوجي، من الاشتراكيين والقوميين واليساريين والإسلاميين، حول مساحة سياسية مشتركة، لم يكن المطلوب آنذاك أن يصبح الجميع حزبًا واحدًا، وإنما أن يجدوا ما يكفي من القواسم المشتركة لمواجهة اختلالات النظام السياسي والدفاع عن الحريات والتعددية، وهذه، في حد ذاتها تجربة تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن الحسابات الحزبية الضيقة.

   

لم اليمن بمنئ عن أحداث ثورات الربيع العربي في ٢٠١١، والتي معها تسارعت تطور الأحداث ودخل اليمن مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، قبل أن تتهاوى الترتيبات السياسية تدريجيًا، وصولًا إلى تمدد جماعة الحوثي وسقوط عمران ثم سقوط صنعاء تحت سيطرة مليشيات الحوثي في ٢٠١٤، عندها تغيرت طبيعة السؤال، ولم يعد الخلاف حول من يحكم وكيف يتقاسم السياسيون السلطة، وإنما حول ما إذا كانت هناك دولة أصلًا، وما إذا كانت الجمهورية ومؤسساتها ستبقى أم ستتحول إلى مجرد عنوان على الورق.

   

لقد وجد الإصلاح نفسه في مواجهة سياسية مباشرة مع جماعة الحوثي، ولم يقبل بشرعنة المليشيات والاعتراف بسلطة الأمر الواقع، او يتعامل مع سقوط صنعاء باعتباره مجرد انتقال للسلطة من طرف إلى آخر، وهو ما أداء إلى تعرض قياداته وقواعده للاعتقال والملاحقة والاقتحام، وسقط من أعضائه وأنصاره قتلى في المواجهات والجبهات، وفي أبريل ٢٠١٥، تحدثت إحصائية أولية عن ١٢٢ حالة اختطاف طالت قيادات وأعضاء وناشطين في الإصلاح، إلى جانب اقتحام ٣٧ منزلًا ومقرًا ومؤسسة ومقرًا طلابيًا. وبصرف النظر عن اختلاف الأرقام التي ظهرت لاحقًا، فإن الصورة العامة كانت واضحة، الحزب دفع كلفة ثقيلة بسبب موقفه من الانقلاب.

   

 لم تكن الصورة أكثر رحمة في عدن، فقد تعرض الإصلاح وقياداته وناشطوه لعمليات استهداف واغتيال وملاحقة، وسط اتهامات لقوى مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي وجهات داعمة له بالوقوف خلف جانب من تلك العمليات، ومن بين الوقائع التي أخذت بعدًا دوليًا قضية أنصاف مايو رئيس إصلاح عدن، الذي نجا من محاولة اغتيال استهدفت مقر الحزب في ديسمبر ٢٠١٥. وبعد سنوات، رفع مايو دعوى في الولايات المتحدة ضد ثلاثة أمريكيين، تتهمهم الدعوى بالمشاركة في برنامج اغتيالات في اليمن نُفذ بتكليف من الإمارات، رغم ان القضية لا تزال مسارًا قضائيًا، لكن مجرد انتقال ملف سياسي يمني من شوارع عدن إلى قاعة محكمة أمريكية يكشف حجم التعقيد الذي وصلت إليه الصراعات في اليمن.

   

إن استعراض الخسائر وحدها لا يكفي، فليس من الحكمة أن يتحول تاريخ أي حزب إلى قائمة شهداء وضحايا ثم يُطلب من الناس التصفيق له، بل ان قيمة التضحيات تظهر عندما تتحول إلى مواقف سياسية، ثم إلى مشروع وطني، ثم إلى قدرة على جمع الناس حول فكرة أكبر من الحزب نفسه، وهذا ما ترجمة الإصلاح.

   

فقد جاءت محاولات الإصلاح للمشاركة في تشكيل أطر سياسية أوسع، وتوحيد القوى الجمهورية، والدفع باتجاه حوار بين المكونات التي وجدت نفسها في مواجهة الانقلاب، وفي هذا المسار، تبرز الحاجة إلى أن تكون الجمهورية هي السقف الذي تجتمع تحته القوى السياسية المختلفة، لا أن تتحول المعركة الوطنية نفسها إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسامات الحزبية القديمة.

   

وبعد ستة وثلاثين عامًا، أظن أن السؤال الحقيقي أمام الإصلاح ليس كم دفع؟ فقد دفع كثيرًا، وهذا جزء من سجل المرحلة، بل السؤال الأصعب هو، ماذا سيفعل بكل هذه التجربة؟

   

لا شك أن الحزب الذي انتقل من السلطة إلى المعارضة، ومن الدفاع عن الوحدة إلى مواجهة الانقلاب، ثم دفع ثمنًا باهظًا في أكثر من جبهة،

وفق ما ذكرة النائب الإصلاحي نجيب غانم، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية عام ٢٠١٨، إن خسائر الحزب البشرية في المعارك بلغت أكثر من ١٢ ألف شهيد، وهو ما يجعلة يملك اليوم رصيدًا سياسيًا لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد ذاكرة، بل عليه أن يحول هذا الرصيد إلى مشروع دولة، وأن يثبت أن دفاعه عن الجمهورية لم يكن دفاعًا عن موقع حزب، بل عن فكرة وطن.

   

حينها تحديدًا تصبح فاتورة الموقف الوطني مسؤولية وليست منّة، فاليمن لا يحتاج حزبًا يطالب الناس بأن تتذكر ما دفعه فقط، وإنما يحتاج حزبًا يعرف ماذا يفعل بعد أن دفع، يحتاج إلى قوى سياسية تتعلم من أخطائها بقدر ما تعتز بتضحياتها، وتضع الدولة فوق الجماعة، والمواطنة فوق الاصطفاف، والمصلحة اليمنية فوق الحسابات الضيقة.

   

هذا هو الاختبار الأصعب للإصلاح في عامه السادس والثلاثين، ليس أن يثبت أنه كان حاضرًا في المعركة الوطنية، فقد أثبت ذلك تاريخه، وإنما أن يثبت أنه قادر على تحويل حضوره وتضحياته وتجربته الطويلة إلى قوة سياسية تساهم في إخراج اليمن من الحرب، واستعادة الجمهورية، وبناء مؤسسات الدولة، وبناء وطن لا يحتاج فيه اليمني إلى الانتماء إلى حزب أو جماعة كي يشعر أن له مكانًا فيه.