معنى الخيانة في ميزان القرآن
بقلم/ رجاء يحي الحوثي
نشر منذ: شهر و 3 أيام
السبت 12 سبتمبر-أيلول 2026 06:51 م
 

الخيانة ليست مجرّد خطأ عابر، بل هي انهيارٌ أخلاقي يضرب جذور الثقة بين الناس، ويهدم قيمة الأمانة التي جعلها الله أساس التعامل بين البشر؛ لذلك جاءت الآيات القرآنية بلهجة حاسمة تُدين الخيانة وتُجرّم أصحابها، وتكشف أن الله لا يحبّ من اتخذ الخيانة عادةً وسلوكًا متكررًا.

الخيانة في القرآن هي: نقضُ العهد، وكتمان الحق، والغدر بالأمانة، وإظهار خلاف ما يبطن الإنسان ،قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾[النساء: 107]،هذه الآية ليست مجرد حكمٍ أخلاقي، بل بيان لموقع الخائن من الولاية الإلهية؛ فنفي المحبة الإلهية يعني نفي القرب والولاية، أي إنّ الخائن خارج عن دائرة رضا الله، والخيانة هنا ليست حادثةً واحدة، بل سلوكٌ متكرر يدل على فسادٍ في الباطن، والإثم ملازم للخيانة؛ لأن الخائن يعتدي على الحق، ويقلب الوقائع، ويهدم الثقة التي يقوم عليها المجتمع الإيماني فالآية تظهر أن الخيانة ليست مجرد خطأ، بل انحراف وجودي يقطع الإنسان عن مصدر الهداية.

وجاء في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58] ،هذه الآية تعطي قاعدة عامّة هي أن الخيانة محرمة في كل صورها، والله لا يحب أهلها، سواء كانت خيانةً لله، أو للرسول، أو للأمانة، أو للعهد، جاءت بصيغة شاملة لتدين كل صور الخيانة، منها : خيانة الزوج وخيانة الأمانة وخيانة العهود وخيانة المال وخيانة الثقة وخيانة الكلمة والوعد، أو للجماعة والقرآن يقدم تصنيفاً وجودياً للإنسان المؤمن أمينٌ بطبعه، والخائن خارج عن هذا البناء الروحي فعدم محبة الله للخائنين يعني أنّ الخيانة تناقض حقيقة الإيمان لأنّ الإيمان قائم على الصدق والوفاء والعدل.

من حيث البعد الاجتماعي للخيانة الخيانة ليست فعلاً فردياً فقط، بل تهديد لبنية المجتمع لأن المجتمع الإيماني يقوم على الثقة والعدل ، لذلك جاءت الآيات في سياق قضيةٍ اجتماعية (قضية بني أبيرق)،حيث حاول بعضهم سرقة مال، ثم قلب التهمة على بريء، ثم طلب من النبي ﷺ الدفاع عنهم ، فالميزان الإلهي يدين الخيانة حين تتحول إلى منظومة كاملة، وهنا جاء القرآن ليعلن موقفًا حاسمًا من الخائن الله لا يحبّ من يخون ، ولا يحبّ من يبرر الخيانة ، ولا يحب من يقلب الحقائق لحماية المجرم ، القصة تقدم نموذجًا حيًا للخيانة المركبة سرقة، وكذب، وتضليل، وظلم .

والتحذير هنا ليس أخلاقيًا فقط، بل روحيًا إذ يربط القرآن الخيانة بنفي محبة الله لصاحبها، وهذا السلوك يجمع بين الخيانة ، والإثم، والكذب، وتضليل القضاء الإلهي والنبوي ولهذا جاء الحكم الإلهي حاسماً ، لأن الخيانة تُفسد النفس والمجتمع معاً، وتُخرج صاحبها من دائرة الهداية ، وقد حذّر القرآن تحذيرًا مباشرًا من خيانة الأمانة، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: 27] ،والخيانة هنا تشمل: المال، والأسرار، والمسؤوليات، والعهود وهي دعوة لحماية الأمانة باعتبارها ركنًا أساسيًا في البناء الاجتماعي ، لان المجتمع لا ينهار بسبب الأعداء فقط، بل بسبب الخيانة الداخلية، ومنها: خيانة الزوج، وخيانة الصديق، وخيانة الشريك، وخيانة المسؤول ، ونخص هنا بالتحديد الخيانة الزوجية وما لها من آثار في تدمير وشتات الأسرة.

حيث أثبتت الوقائع الاجتماعية والدراسات الأسرية أن الخيانة الزوجية ليست مجرد سلوك شخصي، بل هي فعل ضار ذو آثار ممتدة تمس الأمن الأسري، وتؤدي إلى تفكك الروابط، وارتفاع معدلات الطلاق، وتضرر الأطفال نفسيًا واجتماعيًا. ورغم أن الأنظمة الحالية تعالج بعض جوانب الضرر، إلا أنها لا تتضمن نصًا صريحًا يجرم الخيانة الزوجية أو يضع عقوبات واضحة لها، مما يترك فراغًا تشريعيًا يتيح تكرار السلوك دون رادع.

ومن هذا المنبر أتوجه بطلبي هذا إلى الجهة التشريعية المختصة، ومجلس الشورى، ووزارة العدل، والمحاميات والمحامين، وانطلاقًا من الدور المحوري الذي تضطلع به الدولة في حماية الأسرة وصون كيانها، وبالنظر إلى تزايد حالات الخيانة التي تتعرض فيها الأسر لأضرار جسيمة نتيجة الخيانة الزوجية أو السلوكيات غير المشروعة التي تهدد استقرار الحياة الزوجية.

وعليه أطالب من الجهة التشريعية بما يلي: -سنّ نص قانوني صريح يجرّم الخيانة الزوجية بوصفها فعلًا ضارًا يخل بالالتزامات الشرعية والقانونية.

-تحديد عقوبات رادعة تتراوح بين الغرامة، والتعويض للطرف المتضرر، وإجراءات إصلاحية إلزامية.

-إدراج الخيانة ضمن أسباب الضرر الموجب للتعويض حمايةً للحقوق الزوجية ورفعًا للظلم عن المتضررين.

-إطلاق برامج توعية وطنية لتعزيز قيم الالتزام والمسؤولية داخل الأسرة.

وعليه أطلب من فضيلتكم: سن هذا القانون فإنه سيسهم في تعزيز الاستقرار الأسري، وردع السلوكيات الضارة، وحماية المجتمع من آثار التفكك الأسري، بما يتوافق مع مقاصد الشريعة ومعايير العدالة الاجتماعية، راجيةً من الجهات الموقرة دراسة هذا الطلب بعناية، واتخاذ ما ترونه مناسبًا من إجراءات تشريعية تحفظ كرامة الأسرة وضمان استقرارها.

المحامية والمستشارة القانونية 

رجاء يحي الحوثي